fbpx

For better web experience, please use the website in portrait mode

OK

الإدارة المجتمعية المستدامة: ‎الطريق إلى مستقبل أكثر استدامة ومرونة

رأي سبتمبر 24, 2023

فيما تشير التوقعات إلى أن سبعة مليارات نسمة سوف تعيش في المناطق الحضرية بحلول عام 2050، فإن الحفاظ على الأرض ومواردها النفيسة سيكون أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الإنسان خلال العقود المقبلة. لذا فإن إنشاء مدن المستقبل وضمان النمو الاقتصادي وحماية كوكبنا أيضاً، التي قد تبدو كمفاهيم متناقضة، تشكل جميعها السبيل إلى بناء مجتمعات ذكية ومستدامة من القاعدة إلى القمة والحل الأمثل للتغلب على هذه العقبات الصعبة.

وإذا أردنا جعل المدن “ذكية” و”مستدامة” يجب علينا إعادة التفكير في مفهوم الحياة الحضرية السائد حالياً، والتوجه إلى إدماج العناصر الصديقة للبيئة بدءاً من مرحلة رسم المخططات بدلاً من اعتبارها فكرة ثانوية تابعة. وهذا يعني أيضاً دعم الاقتصاد الدائري، وتسهيل التنقل “النظيف”، وإنشاء بنية تحتية للطاقة المتجددة، وضمان الأمن الغذائي وغيره من العناصر الأخرى. ‎

ومن هنا تأتي أهمية الإدارة المجتمعية المستدامة التي ستلعب دوراً محورياً في السعي لتحقيق مستقبل نظيف وواعد، والخروج جذرياً على النموذج الخطي التقليدي المتمثل في “الإنتاج والاستخدام والتخلص” الذي يميز معظم التجمعات الحضرية اليوم. ‎
وبات السعي إلى إيجاد حلول للتخفيف من آثار تغير المناخ واضحاً ومتزايداً في منطقة الخليج والشرق الأوسط، مع استعدادها لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)

Carl Atallah - Marketing Director at Sharjah Sustainable City

وهو مؤتمر الأمم المتحدة الثاني على التوالي للمناخ في المنطقة. فها نحن بكل غبطة نشهد احتدام الحوارات الجادة والتفاعلية الهادفة والتي تعلو تدريجياً في المنطقة حول مدن المستقبل التي توفر طاقة متكاملة تماماً ومجتمعات نابضة بالحياة مع نمط حياة صديق للبيئة. إن السباق نحو بناء مدن خالية من الانبعاثات الكربونية أصبح واقعاً اقتصادياً واجتماعياً الآن، إذ يجب أن تكون الممارسات المستدامة في صميم كل مجتمع.

ولهذا السبب، أثق بأن الظروف الحالية ستوفر فرصة مذهلة لنا جميعاً لتكثيف الجهود وبناء مستقبل مستدام في جميع مدننا. وكما أثبتت مشاريع مثل مدينة الشارقة المستدامة نجاحها، فإن مثل هذه المجتمعات ليست فقط ممكنة التطبيق على المستوى التجاري فحسب، بل تحظى أيضاً باهتمام متزايد باعتبارها مساراً فعالًا وأكثر تركيزاً على الإنسان وأكثر مرونة في التحول نحو الطاقة النظيفة.

ولهذا أضحى مشروع مدينة الشارقة المستدامة – المشترك بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة دايموند ديفلوبرز – قفزة نوعية لمدن المستقبل على المستوى الإقليمي، حيث يتم إمداد الفلل بالكهرباء من ألواح الطاقة الشمسية المثبتة على الأسطح، بالإضافة إلى إنشائها مصنع للغاز الحيوي لمعالجة النفايات العضوية وتحويلها إلى مصدر طاقة، فضلاً عن اعتمادها على وسائل التنقل الكهربائية للتنقل ضمن المدينة، وزراعة كل ما تحتاجه اعتماداً على تقنية الزراعة العمودية.

وتهدف مدينة الشارقة المستدامة، باعتبارها أول مشروع تطوير مستدام ومتكامل تماماً في الإمارة، إلى إنشاء مجتمع خالٍ من الانبعاثات الكربونية يحقق وفورات كبيرة في استهلاك الطاقة والمياه.  ومن خلال الجمع بين أفضل أساليب الهندسة المعمارية المستدامة وعناصر البناء، والتقنيات الزراعية، والتنقل الحضري النظيف ومصادر الطاقة المتجددة، وضعت مدينة الشارقة المستدامة معياراً جديداً ومتقدماً لمجتمعات المستقبل.

ومع ذلك، فإن سر نجاح مثل هذا المشروع لا يقتصر على وسائل الراحة والمرافق عالمية المستوى، بل يشمل أيضاً الإدارة المتطورة للمجتمع النابض بالحياة الذي يعتبره سكانه موطناً حقيقياً لهم. فمن توفير المساحات الخضراء الشاسعة والفرص للزراعة المجتمعية، إلى نقاط شحن السيارات الكهربائية المتاحة بيسر، إلى الطاقة المتجددة لإضاءة المجتمع، تم تصميم البنية التحتية ومرافق مدينة الشارقة المستدامة ليتفاعل ساكنوها معاً بأسلوب حياة مستدام حقيقي.

وتشكل الأنشطة المجتمعية التفاعلية والفعاليات الصديقة للبيئة والتي يدعمها السكان إحدى الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، استضافت مدينة الشارقة المستدامة مؤخراً ورشة عمل تفاعلية حول “صناديق الأعشاش” احتفالاً باليوم العالمي للحياة البرية، لتثقيف سكانها حول موائل الطيور وعادات التعشيش وفوائد وجود صناديق الطيور في الحي. وكانت ورشة العمل فرصة تعليمية ممتازة للمشاركين، وخاصة للشباب المقيمين، وشكلت منصة مهمة لرفع مستوى الوعي بالدور المحوري للتنوع البيولوجي في المناطق الحضرية.

وبالمثل، ساعدت ورشة عمل إدارة النفايات التي استضافتها المدينة على تعزيز التخلص المسؤول من النفايات وإعادة التدوير والممارسات المستدامة. مرة أخرى، كان الاختلاف في النهج هنا هو التركيز على متعة المجتمع والتعلم النشط – والذي بفضله انخرط المشاركون في الألعاب التعليمية. هناك طريقة أخرى لجمع السكان معاً وهي من خلال المهرجانات – وكان الاحتفال الجميل بحق الليلة في مدينة الشارقة المستدامة هذا العام بمثابة فرصة ممتازة للجميع للاحتفال بمناسبة ثقافية تقليدية تعزز روح المجتمع ووحدة السكان.‎

وكما تظهر هذه الأمثلة المتنوعة، فإن تركيز إدارة المجمع في مدينة الشارقة المستدامة على المجتمع المستدام لا يعزز النسيج الاجتماعي والشمول والتنوع فحسب، بل يمكّنها أيضاً من تعزيز الرخاء الاقتصادي والقدرة التنافسية مع حماية البيئة. ويقوم المجتمع في مدينة الشارقة المستدامة بدوره للحد من تأثيرات التغير المناخي مما يمنحه شعوراً بالطمأنينة، لأنه مصمم بالفعل ليكون صديقاً للبيئة ولأن يتخذ إجراءات استباقية من أجل مستقبل مرن وخالي من الانبعاثات.‎

من هنا نرى أن أعظم درس مستفاد من الإدارة المجتمعية المستدامة الفعالة والمؤثرة هو أننا بمزجنا لعناصر البيئة والتكنولوجيا والبنية التحتية المناسبة، يمكننا جميعاً تحمل دور أكبر بالمسؤولية والوعي البيئي وإحداث تأثير دائم في السعي إلى عالم صديق للبيئة. ‎