fbpx

For better web experience, please use the website in portrait mode

OK

مستقبل المدن ما أهمية المدن الذكية والمستدامة؟

ديسمبر 5, 2022

بقلم كريم الجسر، المدير التنفيذي للاستدامة الاجتماعية في “دايموند ديفلوبرز”

في الأربعاء الرابع من شهر أكتوبر في كل عام، نقوم بالاحتفال بيوم الاستدامة العالمي. ويبروز السؤال الأهم في هذه المناسبة: هل علينا الانتقال إلى المدن المستدامة، وما المعايير التي تجعل أي مدينة “مستدامة”، ولماذا تعتبر مشاريع المدن المستدامة ذات أهمية كبرى؟

بحلول عام 2050، من المتوقع أن يبلغ تعداد سكان العالم 9.8 مليار نسمة، وما يقارب 70% من السكان سيعيشون في المناطق الحضرية. وهذا ما يؤكد حقيقة أنّ المدن تعتبر محرك أساسي من محركات النمو الاقتصادي، حيث تسهم حالياً بما مقداره 85٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وهو نسبة مرشحة للزيادة أكثر خلال العقود القادمة. وعليه ستكون مدن المستقبل هي الأماكن التي يعيش فيها الناس ويعملون ويبتكرون ويستهلكون فيها كميات ضخمة من الموارد.

لهذا كله، ستلعب المدن دوراً مركزياً في دعم الجهود العالمية نحو إنتاج طاقة نظيفة ومستدامة وبناء مستقبل خالٍ من الانبعاثات الكربونية، الأمر الذي سيجعل من النموذج الخطي الحالي الذي يتمثل في “الإنتاج والاستخدام والتخلص من النفايات” نموذجاً عفا عنه الزمن.

لكن تحويل المدن إلى مدن ذكية ومستدامة يتطلب إعادة التفكير ودمج كل عنصر من عناصر الحياة الحضرية – بدءاً من دعم الاقتصاد الدائري ، مروراً بتسهيل التنقل الحضري النظيف، وإنشاء البنية التحتية للطاقة الجديدة وصولاً إلى ضمان الأمن الغذائي للمجتمع.

خليجياً وإقليمياً على مستوى الشرق الأوسط، ترتفع وتيرة التركيز على مدن المستقبل القادرة على توفير طاقة متكاملة وتحد من الانبعاثات الكربونية، وتضم مجتمعات حيوية تتمتع بأسلوب حياة صديق للبيئة، فيما تستعد المنطقة لاستضافة مؤتمرين عالميين حول المناخ، وهما مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP27) الذي يعقد في شرم الشيخ بمصر الشهر المقبل، و(COP28) في دولة الإمارات العام المقبل.

وفيما يحتفل العالم بيوم الاستدامة في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري، تعلو الأصوات المنادية بضرورة تحويل مدن المستقبل إلى مدن مستدامة وذكية، وضرورة تحقيق التوازن المثالي المطلوب بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، من خلال تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

لقد نجحت دولة الإمارات في تقديم نماذج رائدة في الاستدامة مثل مدينة الشارقة المستدامة التي بنت مدن المستقبل مستفيدة من التجارب الماضية وقرأت تحديات المستقبل. ولهذا أضحى مشروع مدينة الشارقة المستدامة – المشترك بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة دايموند ديفلوبرز – قفزة نوعية لمدن المستقبل في دولة الإمارات، حيث يتم إمداد الفلل بالكهرباء المستمدة من ألواح الطاقة الشمسية المثبتة على الأسطح، بالإضافة إلى إنشائها مصنع للغاز الحيوي لمعالجة النفايات العضوية وتحويلها إلى مصدر طاقة، فضلاً عن اعتمادها على وسائل التنقل الكهربائية للتنقل الداخلي ضمن المدينة، وزراعة كل ما تحتاجه المدينة من الخضروات اعتماداً على تقنية الزراعة العمودية لتحقيق الإكتفاء الذاتي داخل المجمع السكني.

تهدف مدينة الشارقة المستدامة، باعتبارها أول مشروع تطوير مستدام في الإمارة، إلى إنشاء مجتمع يحد من البصمة الكربونية ويحقق وفورات كبيرة في استهلاك الطاقة والمياه. ومن خلال الجمع بين أفضل أساليب الهندسة المعمارية المستدامة وعناصر البناء، والتقنيات الزراعية منخفضة الكربون، والتنقل الحضري النظيف ومصادر الطاقة المتجددة، وضعت مدينة الشارقة المستدامة معياراً جديدًا للمجتمعات المستدامة وستسهم في دفع عجلة نمو قطاع المدن المستدامة والتخلص تماماً من البصمة الكربونية.

هناك حاجة ملحة للاستثمار في مدن المستقبل المستدامة، فوفقاً لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) البيئة العمرانية في العالم تسهم بنحو 40% من انبعاثات الكربون عالمياً، وتتطلب عملية التخلص من انبعاثات الكربون فيها إلى 5.2 تريليون دولاراً على مدى العقد القادم وحده.

من هنا ندرك أن الاقبال المتزايد على بناء المدن المستدامة لم يكن مفاجئاً لدى المستثمرين، حيث قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت سابق من العام الجاري أنّ الشهادات الخضراء تزيد عوائد الإيجار بنسبة 6٪ وتزيد متوسط عوائد المبيعات بنسبة 7.6٪ على المستوى العالمي.

لذلك، انصب التركيز العالمي على إنشاء مجتمعات مستدامة تحد من البصمة الكربونية، وتوفر حلولاً واقعية تتعلق بقضايا الأمن الغذائي وإدارة المياه والطاقة، وتسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية. وهذا ما انعكس على زيادة الوعي بمفهوم الأماكن الحضرية وتغيير النظرة السائدة اليها من مجرد أماكن تحتضن المناظر الخلابة وناطحات السحاب المرتفعة إلى أماكن تدعم إنتاج الطاقة النظيفة (الخالية من الانبعاثات الكربونية) وتسعى لخلق نظام تنقل مستدام ونظم غذائية، تعزز من مستويات الصحة والرفاهية، قادرة على التكيف مع تغيرات المناخ.

وهذا هو المفهوم الذي لطالما تبنته مدينة الشارقة المستدامة وحققت الريادة في تطبيقه، الأمر الذي لاقى رواجاً واسعاً بين المطورين العقاريين منذ اليوم الأول. وتعتبر مدينة الشارقة المستدامة ثالث مشروع عقاري مستدام يتم الإعلان عنه في الدولة بعد مدينة “مصدر” في أبو ظبي، والمدينة المستدامة “دبي” إذ لا يزال التطور العقاري المستدام مفهومًا متخصصًا في دولة الإمارات.

لقد شهدت مدينة الشارقة المستدامة اهتماماً غير مسبوق حيث تم بيع المرحلتان الأولى والثانية بالكامل في حين تشهد المرحلة الثالثة إقبالاً متزايداً من الملاك الجدد. وهذا ما يعكس الوعي المتزايد من جانب أصحاب الشأن الذين أدركوا مبكراً أهمية المزايا الاقتصادية التي توفرها المجتمعات والمشاريع المستدامة

مثل مشروع مدينة الشارقة المستدامة في تحقيق النتائج الاجتماعية والبيئية الإيجابية التي تضمن رفاهية الأجيال المقبلة.

ويكثر الحديث عن المدن الذكية والمستدامة لا سيما عن “العوائد الخضراء” و “الخصم البني” الذي يعني أن المباني التي لا ترقى إلى مستوى المعايير البيئية يُنظر إليها على أنها أقل قيمة للمستقبل من غيرها، ويظهر لنا مدى أهمية هذه المشاريع التي تؤكد ضرورة بذل المزيد من الجهود المتضافرة لبناء بيئة مستدامة لأجيالنا القادمة. وبما أنه لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه لبناء مدن المستقبل، فإن تطوير أماكن ذكية ومستدامة لسكان العالم في المستقبل يجب أن يبدأ من اليوم من خلال تعزيز التعاون الجماعي بين جميع الأطراف الفاعلة والحكومات وسلاسل التوريد بأكملها.